محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
229
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقد اشترط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صحة قبول العطاء عدم الاستشراف إلى الناس ، ولا يكاد يحصل هذا الشرط لمن ذكرناه من أهل التجريد إلّا بهذه الرؤية المذكورة ، روى زيد عن خالد الجهني « 1 » ، رضي اللّه عنه ، قال ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من جاءه معروف من أخيه من غير مسألة ولا استشراف نفس فليقبله فإنما هو رزق ساقه اللّه تعالى إليه » « 2 » وروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من وجّه إليه شيء من هذا الرزق من غير مسألة ولا استشراف فليأخذه وليوسع في رزقه فإن كان عنده غنى فليدفعه إلى من هو أحوج منه » « 3 » ، وقال عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول له : أعطه يا رسول اللّه من هو أفقر إليه مني ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : خذه ، فتموّله ، أو تصدّق به » « 4 » . وما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه ، ومالا ، فلا تتبعه نفسك ، قال سالم : « فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ، ولا يردّ شيئا أعطيه » . فالاستشراف إلى الناس مذموم قادح في التوحيد ، فلا ينبغي أن يأخذ المريد عطاء على هذا الوجه ، روي أن أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه خرج ذات يوم إلى شارع باب الشام ، فاشترى دقيقا ولم يكن في الموضع من يحمله ، فوافى أيوب الحمال فحمله ، ودفع إليه أحمد أجرته ، فلما دخل الدار بعد إذنه له اتفق أنّ أهل الدار قد خبزوا ما كان عندهم من الدقيق وتركوا الخبز على السرير ينشف ، فرآه أيوب وكان يصوم الدهر ، فقال أحمد لابنه صالح : ادفع إلى أيوب من الخبز ، فدفع له رغيفين ، فردّهما ، فقال أحمد : ضعهما ، ثم صبر قليلا ثم قال خذهما والحقه بهما ، فأخذهما ، فرجع صالح متعجبا ، فقال له أحمد : أعجبت من ردّه وأخذه ؟ قال : نعم . قال : هذا رجل صالح ، لما رأى الخبز استشرفت نفسه إليه ، فلما أعطيناه مع الاستشراف ردّه ، ثم أيس ، فرددناه إليه بعد الإياس فقبله .
--> ( 1 ) هو خالد بن زيد ، ويقال : ابن يزيد الجهني . روى عن عقبة بن عامر الجهني ، وروى عنه أبو سلّام الحبشي . ( تهذيب الكمال 5 / 353 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 2 ، 292 ، 323 ، 490 ، 3 ، 311 ، 378 ، 4 ، 221 ، 6 / 77 ، 259 ، 367 ) ، وأبو داود ( أطعمة ، 46 ) ، والنسائي ( صيد ، 38 ) ، والموطأ ( صدقة ، 9 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 65 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( أحكام ، 17 ) ، ومسلم ( زكاة ، 111 ) ، والنسائي ( زكاة ، 94 ) ، وأحمد بن حنبل ( 1 ، 17 ، 21 ، 2 ، 99 ، 5 ، 195 ، 6 ، 452 ) .